محمد بن محمد ابو شهبة
22
المدخل لدراسة القرآن الكريم
واقتصر بعضهم على الإنزال والكتابة في المصاحف ، والنقل تواترا ، لأن المراد تعريفه لمن لم يدرك زمن النبوة ، وإنزال الألفاظ والكتابة في المصاحف والنقل تواترا من أبين اللوازم للقرآن وأوضحها بخلاف الإعجاز فليس من اللوازم البينة ؛ إذ لا يعرفه إلا الخواص الواقفون على أسرار اللغة وأساليبها ، كما أنه ليس شاملا لكل جزء ؛ إذ المعجز هو السّورة أو مقدارها . واقتصر البعض على النقل في المصاحف تواترا ، لأنه كاف في الغرض المقصود ، وهو تمييز القرآن عن جميع ما عداه ، فقد ثبت أن الصحابة - رضوان اللّه عليهم - بالغوا في ألا يكتب في المصحف ما ليس منه ، مما يتعلق به ، حتى النّقط والشّكل ، واحتاطوا في ذلك غاية الاحتياط ، حتى لا يختلط القرآن بغيره . واقتصر بعضهم على ذكر الإعجاز فحسب ، لأنه وصف ذاتي للقرآن إذ هو الآية العظمى المثبتة لرسالة نبينا « محمد » صلى اللّه عليه وسلم ، ولكون القرآن المنزل عليه من عند اللّه لا من عند البشر . ولما كان بحثنا في هذا العلم ، إنما يتعلق بنظمه العربي المبين ، فقد آثرت ألا أتعرض للقرآن من حيث كونه كلام اللّه ، وصفة من صفاته ، لأن هذا البحث محله « علم الكلام » « 1 » .
--> ( 1 ) كما بحث المتكلمون في القرآن من جهة كونه كلام اللّه وصفة له ، بحثوا فيه أيضا من جهة لفظه العربي المنزل على النبي . . وهم في تعريفهم للقرآن من هذه الجهة لم يخرجوا عما ذكره الأصوليون والفقهاء وعلماء العربية في تعريفه وعرفوه من الجهة الأولى بأنه : « الصفة القديمة القائمة بذاته تعالى المتعلقة بالكلمات الحكمية من أول سورة « الفاتحة » إلى آخر « الناس » ، وهذه الكلمات الحكمية أزلية مجردة عن المواد مطلقا حسية كانت أو خيالية أو روحانية وهي مترتبة غير متعاقبة وذلك مثل الصور تنطبع في المرآة ، مترتبة غير متعاقبة ، وقالوا : إنها حكمية ، لأنها ليست ألفاظا حقيقية مصورة بصورة الحروف والأصوات . وقالوا : إنها أزلية ، ليثبتوا لها معنى القدم ، وقالوا : إنها مجردة عن المواد مطلقا - أي الحروف اللفظية أو الذهنية أو الروحية - لينفوا عنها أنها مخلوقة ، وقالوا : إنها